صالح مهدي هاشم
29
المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري
وليس هذا فقط ، بل على هؤلاء الجند المثقفين من أصحاب البريد معرفة المسافة والمساحة والمقادير والمقاييس وتحقيق الشعرة والشعيرة ، والإصبع والشبر ، والذراع والباع والقدم والخطوة والمرحلة والمنزل والميل والفرسخ . . . وعلى صاحب البريد أيضا معرفة منازل مكة وطرق الحج والمسالك والطرق بين الأمكنة والبلدان ، وتحديد نهايات الأماكن ، هذا بالإضافة إلى تنظيمات البريد وترتيبه ومصطلحاته وقواعده وأصوله وتعاليمه . « 1 » جعل الخليفة الناصر لدين اللّه لصاحب البريد سلطة فوق السلطات في الرقعة الجغرافية المسؤول عنها ، وكان إذا تولى أحد الولاة والقضاة والحكام في أي إقليم قد يصير إلى هذا الحاكم الإشراف على كل الشؤون - الدينية والسياسية والعسكرية والمالية - إلا البريد ، فإنه لا يذكر في أمر التكليف أصلا ، واتصال صاحب البريد بالخليفة شخصيا ومباشرة من غير أن يطلع عليها أحد في طريقها اليه ، وأن يتم ذلك بالسرعة المستطاعة ، حتى أصبحت كلمة ( بريد ) مرادفة لكلمة ( سريع ) وإلا ما فائدة جمع الإخبار إن لم تبلغ إلى الخليفة ، أو بلغت متأخرة أو أطلع عليها أحد قبله . . . ؟ لقد امتزجت ، وبجدارة مواهب الخليفة الناصر لدين اللّه وقدرته مع نشاطات القائمين على فن الاتصالات في زمانه ( فملأ القلوب هيبة وخيفة حتى كان يرهبه أهل الهند وأهل مصر فأحيا هيبة الخلافة ) « 2 » . ينقل الذهبي عن الموفق عبد اللطيف قوله ( لقد كنت بمصر والشام في خلوات الملوك والأكابر إذا جرى ذكره خفضوا أصواتهم إجلالاله ) ، وينقل الذهبي أيضا عن ابن النجار ( دانت للناصر السلاطين ودخل تحت طاعته
--> ( 1 ) قدامة بن جعفر ، الخراج وصناعة الكتابة ، تحقيق د . محمد حسين الزبيدي ، بغداد 1981 ، الباب الحادي عشر ص 77 - 129 ( 2 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، ج 23 ص 195 .